حيدر حب الله
143
إضاءات في الفكر والدين والإجتماع
7 - قوله تبارك اسمه : ( إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ ما أَنْزَلْنا مِنَ الْبَيِّناتِ وَالْهُدى مِنْ بَعْدِ ما بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتابِ أُولئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللاَّعِنُونَ ) ( البقرة : 159 ) ، فقد يتصوّر أنّ هذه الآية تفيد وجود لاعنين بمعنى اللعن المتداول اليوم ، لكنّها غير واضحة ، فإذا سرنا مع الدلالة اللغوية فهي تعني أنّ الله يطردهم من رحمته ، كما أنّ هناك من هو طاردٌ ولاعنٌ يمارس فعل طردهم من الرحمة ، وقد يكون ذلك من الملائكة ، وقد تكون الآية ناظرة إلى يوم القيامة . على أنّها لو دلّت على الفعل اللساني الدعائي لكانت خاصّة بالذين يكتمون الدين والبينات لا مطلقاً ، كما أنّها لا تبيّن حدود اللعن ، بل قد يكون القدر المتيقّن منها غير المسلم ؛ لأنّها وقعت في سياق أهل الكتاب . والخلاصة : إنّ غاية ما تفيده هذه الآية الكريمة أنّ هناك أشخاصاً لا نعرف هويّتهم - فقد يكونون من الملائكة - يمارسون فعل اللعن بمن صفته كتمان الدين ، وهذا اللعن لا شاهد على كونه دعائيّاً لسانيّاً ، بل قد يكون فعليّاً بواسطة تأثيرهم في طرده من الرحمة الإلهيّة ، فكيف يمكن أن نستدلّ بهذه الآية الكريمة على جواز اللعن فضلًا عن استحبابه ؟ ! 8 - قوله تعالى : ( لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرائِيلَ عَلى لِسانِ داوُدَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذلِكَ بِما عَصَوْا وَكانُوا يَعْتَدُونَ كانُوا لا يَتَناهَوْنَ عَنْ مُنكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ ما كانُوا يَفْعَلُونَ ) ( المائدة : 78 - 79 ) ، هذه الآية الكريمة تحتمل اللعن بمعنى الدعاء عليهم بالطرد من الرحمة ، وتحتمل أنّهم طردوا من قبل هذين النبيّين عمليّاً من خلال اللسان ، فأنت عندما تقول لشخص : اخرج من المجلس ، فأنت تلعنه بلسانك ، فلو تجاوزنا إشكاليّة هذين الاحتمالين ، فغاية ما تفيده الآية الكريمة هو الإخبار عن لعن هذين النبيّين لبني إسرائيل بسبب عصيانهم ، بعد